تقرير: باسل محمود
لم تكن نهاية الأسبوع الأخيرة عادية في مياه الخليج العربي ومضيق هرمز، فقد رُصد تشويش حاد على إشارات الملاحة لأكثر من 900 سفينة، مما أدّى إلى ظهور مسارات ملاحية غير منطقية على الخرائط الرقمية، بعضها أظهر السفن وكأنها تتحرك فوق اليابسة، أو تبحر في خطوط متعرجة لا تتماشى مع المسارات المعتادة، بحسب بلومبرج.
هذا التغير المُفاجئ في أحد أكثر الممرات المائية أهمية للتجارة العالمية، جاء في وقت بالغ الحساسية، وسط تصاعد التوترات العسكرية بين إيران وإسرائيل.
اختفاء البوصلة الإلكترونية
بيانات شركة \”Starboard Maritime Intelligence\”، المتخصصة في تحليل حركة السفن، أظهرت نماذج غير اعتيادية لتحركات السفن، تراوحت بين المسارات المتداخلة والتوقفات المفاجئة وحتى اختفاء الإشارات مؤقتا.
وقد لاحظت \”بلومبرغ\” سلوكا مماثلا في البيانات، ما دفع عشرات السفن إلى التحول إلى أنظمة الملاحة التقليدية كالرادار والبوصلة والرؤية العينية، ورغم أن هذا النمط لا يُشير إلى حصار بحري مباشر فإنّه يرفع مستويات المخاطر ويُربك التخطيط اللوجستي للسفن العاملة في المنطقة.
ونبّه المركز المشترك للمعلومات البحرية (JMIC) إلى وجود تشويش كثيف مصدره ميناء بندر عباس الإيراني، لكنه أكّد في الوقت ذاته عدم وجود إشارات إلى نية إيران تعطيل الملاحة أو إغلاق المضيق.
اقرأ أيضًا: مضيق هرمز تحت الضغط مجددًا مع تصاعد توترات الشرق الأوسط
مسارات وهمية لسفن نفط عملاقة
من بين أبرز السفن المتأثرة، كانت الناقلة العملاقة Front Tyne التابعة لشركة فرونت لاين المحدودة، التي ظهرت وكأنها تتجه شمالا نحو إيران، ثم تغيّرت إشاراتها فجأة جنوبًا باتجاه السعودية، مرورًا بمواقع غير منطقية على اليابسة، بالإضافة إلى ناقلة \”Elandra Willow\” التابعة لمجموعة \”Vitol\” للطاقة، والتي أظهرت بدورها سلوكًا ملاحيًا متقطعًا خلال خروجها من الخليج.
فيما رُصدت إشارات ناقلة \”Pegasus\”، التي تديرها شركة بانثيون تانكرز، وهي تنتقل على ما يبدو بين نقاط على اليابسة الإيرانية.
هذه الأنماط المربكة، جعلت بعض السفن التجارية تتجنّب استخدام أنظمة الملاحة الرقمية، ما يزيد من احتمال الاصطدامات والأخطاء التشغيلية.
مضيق هرمز.. بين التوتر والمصالح
يُعتبر مضيق هرمز بوابة النفط العالمية، حيث تمرّ عبره قرابة ثلث تجارة النفط البحرية في العالم، وتُصدّر عبره السعودية وإيران وقطر والكويت والإمارات جزءًا كبيرًا من إنتاجها إلى الأسواق الآسيوية.
هذا الموقع الحساس يجعل من أي توتر في المنطقة حدثا دوليا بامتياز، وقد تصاعدت المخاوف بعد الغارات الإسرائيلية على إيران من أن تُستخدم ورقة هرمز كورقة ردع.
ومع ذلك، تُدرك طهران أنَّ أيّ إغلاق كامل للمضيق يُهدّد اقتصادها بالشلل، خاصة في ظل اعتمادها على صادرات النفط إلى الصين، التي تُعد أكبر زبائنها.
اقرأ أيضًا: الشرق الأوسط يغلي.. الطاقة في قلب المعركة
رهانات السوق
ردّت أسواق الشحن فورًا على هذه المخاوف، حيث علّق عدد من مالكي الناقلات مؤقتًا عمليات دخولهم إلى موانئ الخليج العربي، كما قفزت العقود الآجلة للشحن بين الشرق الأوسط وآسيا بنسبة 12%، في إشارة إلى ازدياد تكاليف تأمين الشحن البحري وتخوُّف الشركات من مخاطر التأخير.
وقال أنوب سينغ، رئيس قسم أبحاث الشحن في شركة أويل بروكريج: \”الاضطرابات في مضيق هرمز تُعد ورقة التفاوض القصوى بيد إيران، لكنها تُستخدم فقط في الحالات القصوى لأن عواقبها تُهدّد الجميع، بما في ذلك طهران نفسها\”.
الحسابات الجيوسياسية.. والسفن العالقة بين الطرفين
في خضم هذا التوتر يبقى الغموض هو سيد الموقف، فإيران لا تُعلن مسؤوليتها عن التشويش، كما لا يُنسب إليها رسميًا أي عمل تخريبي، لكنها تُلمح إلى قدرتها على التصعيد في حال تمادت إسرائيل أو الولايات المتحدة.
من جهتها، تواصل البحرية الأمريكية مراقبة المضيق من كثب، وتزيد من تواجدها العسكري، فيما تبدي الشركات المالكة للناقلات قلقًا متزايدًا من التورط في صراع غير محسوب.
السفن التي عبرت المضيق خلال الأيام الماضية، واجهت مزيجًا من الخطر والحذر، ووجدت نفسها مضطرة للاعتماد على الرؤية البشرية، في مياه تُعرف بكونها مكتظة ومليئة بسفن الشحن الكبيرة وقوارب الصيد، ما يُعقّد ظروف الملاحة.
موضوع ذو صلة: كيف هزت أزمة الشحن في البحر الأحمر التجارة العالمية؟
النهاية مفتوحة.. والمضيق في الميزان
رغم أنَّ مؤشرات إغلاق المضيق لا تزال مستبعدة، فإن تحوّل مضيق هرمز إلى منطقة تُعاني من تشويش واسع على الملاحة، يكشف عن بُعد جديد في الصراع الإيراني – الإسرائيلي.
ليس فقط من باب التهديد العسكري المباشر، بل من خلال استعراض السيطرة التقنية والقدرة على إرباك الخصوم دون إطلاق رصاصة.
هذا التطور يعيد تسليط الضوء على هشاشة التجارة العالمية في مناطق التوتر، وعلى ضرورة التنسيق بين القوى البحرية العالمية لمواجهة مخاطر غير تقليدية، باتت تؤثر في خطوط الإمداد وأسواق الطاقة والأسعار في كل أنحاء العالم.
قد يهمّك أيضًا: تصعيد إسرائيل وإيران يفجر اضطرابًا في أسواق الطاقة والمال العالمية








